أحمد بن محمود السيواسي
273
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
عليه السّلام بعث إلى كافة الخلق لا إلى العرب وحدهم ، أجيب بأن أولى الألسنة لسان قومه ، لأنهم أقرب إليه ، فإذا فهموا عنه وتبينوه وانتشر عنهم قامت التراحم نائبة عن بيانه وتفهيمه ، روي : أنه عليه السّلام بعث الرسل إلى الأطراف يدعونهم إلى اللّه تعالى ويترحمون لهم بألسنتهم « 1 » ، فكان العرب أصلا في البعث إليهم وسائر الناس تبعا لهم ( لِيُبَيِّنَ ) الرسول ( لَهُمْ ) أي للعرب وغيرهم ما يجب عليهم لئلا يكون لهم حجة على اللّه ولا يقولوا لم نفهم ما خوطبنا به ، والترجمة تنوب عن نزول القرآن بجميع الألسنة كما ذكرنا ، فتلزم الحجة جميع الخلق ( فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ ) منهم بعد البيان عن الهدى ( وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) إليه ، أي من كان أهلا له ( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) في ملكه لا يغلب عن مراده ( الْحَكِيمُ ) [ 4 ] في أمره من الضلالة والهداية . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 5 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 5 ) ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ) أي بعلامات وحدانيتنا كاليد والعصا ، قوله ( أَنْ أَخْرِجْ ) بمعنى ، أي أدع ، ف « أَنْ » مفسرة ، لأن في الإرسال معنى القول ( قَوْمَكَ ) أي أمتك ( مِنَ الظُّلُماتِ ) أي الكفر والشك والجهل ( إِلَى النُّورِ ) أي إلى الإيمان واليقين والعلم بالشرائع والأحكام ( وَذَكِّرْهُمْ ) أي عظهم وخوفهم ( بِأَيَّامِ اللَّهِ ) أي بأيام الخير والشر السابقة النازلة على الأمم الماضية ليرهبوا من بأس اللّه ويرغبوا في طاعة اللّه ، فالمراد من ال « أيام » وقائع اللّه ونعمه في الأمم السالفة ، يقال فلان عالم بأيام العرب ، أي بوقائعهم من النعمة والمحنة ، فاكتفي بذكر الأيام عنه ، لأنها كانت معلومة عندهم ( إِنَّ فِي ذلِكَ ) أي فيما أنعمت عليهم من كثرة النعم ، ثم فعلت بهم ما فعلت من النقم لتركهم الشكر لي ( لَآياتٍ ) أي لعبرات ( لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) [ 5 ] أي الكثير الصبر والكثير الشكر ، والمراد كل مؤمن مخلص ، لأن الصبر والشكر من خصالهم . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 6 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 6 ) ( وَإِذْ قالَ مُوسى ) أي اذكر وقت قوله ( لِقَوْمِهِ ) بني إسرائيل ( اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ) قوله ( إِذْ أَنْجاكُمْ ) ظرف لل « نِعْمَةَ » بمعنى الإنعام أو لقوله « عَلَيْكُمْ » ، أي اذكروا نعمة اللّه مستقرة عليكم وقت إنجائكم ( مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) أي منه ومن آله ( يَسُومُونَكُمْ ) أي يعذبونكم ( سُوءَ الْعَذابِ ) أي بأشده ( وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ ) بالواو ليدل على أن التذبيح مستقل في التعذيب سوى سوء العذاب ، وذكره في سورة البقرة بغير واو « 2 » ليكون تفسيرا لسومهم ، أي ويقتلون أبناءكم الصغار خوفا عليهم ( وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ) أي يتركونهن أحياء لاستخدامهن ( وَفِي ذلِكُمْ ) أي وفي فعلهم المذكور بكم ( بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) [ 6 ] أي بلية عظيمة من خالقكم ، لأنه مكنهم وأمهلهم حتى فعلوا ما فعلوا بهم ابتلاء أو في إنجاء اللّه إياكم من ذلك العذاب نعمة عظيمة لكم ، فاشكروه ولا تكفروه ، فالبلاء بمعنى النعمة . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 7 ] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ( 7 ) قوله ( وَإِذْ تَأَذَّنَ ) محله نصب ، لأنه عطف على « نِعْمَةَ اللَّهِ » ، أي قال موسى واذكروا إذ أعلم إعلاما بليغا ( رَبُّكُمْ ) وقال لكم ترغيبا وترهيبا ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ ) نعمتي يا بني إسرائيل فآمنتم وأطعتم ( لَأَزِيدَنَّكُمْ ) في النعمة ، قيل : الشكر قيد الموجود وصيد المفقود « 3 » ( وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ ) أي جحدتم نعمتي ولم تشكروها ( إِنَّ عَذابِي ) بكم في الآخرة ( لَشَدِيدٌ ) [ 7 ] أي لقوي لا يطاق عليه لمن كفر نعمتي .
--> ( 1 ) أخذه المؤلف عن البغوي ، 3 / 367 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 112 . ( 2 ) انظر البقرة ( 2 ) ، 49 . ( 3 ) نقله المفسر عن البغوي ، 3 / 367 .